
الطوارق.. شعب ظلمته السياسة ولم تنصفه الجغرافيا
تعيش منطقة التماس بين دول المغرب العربي وجوارها من الدول الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، حالة توتر واضطراب منذ قرابة عقدين من الزمن بسبب الأوضاع السيئة التي يعيشها سكان هذه المناطق من «الطوارق» والصدامات المتكررة بين حركات التمرد والثوران «الطارقية» والقوات الحكومية في كل من جمهوريتي مالي والنيجر بشكل خاص.
ورغم تعدد الاتفاقات الموقعة بين أطراف الصراع خلال السنوات الماضية، إلا أن عدم التزام الحكومتين المعنيتين بتطبيق ما تم الاتفاق عليه من ناحية وتنوع حركات التمرد وعدم اتفاقها على رؤية موحدة لحل النزاع من ناحية ثانية، كل ذلك جعل هذا الصراع يطول أمده ويتعمق، إضافة إلى العوامل الخارجية التي تزيد اتساع الهوة وتعزز أسباب المنافسة للحصول على أوراق إضافية تدعم هذا الطرف أو ذاك.
ولعل من أبرز تلك العوامل التنافس الغربي (بين أميركا وفرنسا خاصة) والتواجد العسكري الأميركي في المنطقة، والذي تعزز بشكل أكبر وأكثر وضوحا خلال السنوات الأخيرة في إطار ما يسمى «الحرب على الإرهاب»،
حيث تعمل الولايات المتحدة بالتعاون مع حكومات المنطقة على إيجاد مواقع ثابتة لها هناك، وربما إقامة قواعد عسكرية دائمة. ويجري الحديث في هذا النطاق عن إمكانية أن يكون مقرّ القيادة العسكرية الأميركية لإفريقيا (أفريكوم) المشكلة حديثا في إحدى هذه الدول أو غيرها من الدول الإفريقية الأخرى القريبة منها.
وتشرف الولايات المتحدة على تدريب القوات المسلحة الحكومية لبعض دول الساحل والصحراء، كما أنها أجرت بين أواخر أغسطس وأوائل سبتمبر الماضيين مناورات «فلينتوك 2007» العسكرية بمشاركة 14 دولة من دول المنطقة.
النطاق الجغرافي
ينتشر الطوارق عبر مساحة واسعة على تخوم الصحراء الإفريقية الكبرى، تضم كافة دول المغرب العربي الخمس وأربع دول افريقية أخرى هي مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد، إلا أن الغالبية منهم تتمركز أساسا في جمهوريتي مالي والنيجر وفي الجزائر وليبيا.
وعلى امتداد تاريخهم الطويل، كانت البداوة وحياة الرعي والترحال بحثا عن مواطن الكلأ، هي السمات الغالبة على مجتمع الطوارق، دون أن تحدهم حدود سياسية أو جغرافية في هذا النطاق الجغرافي الممتد من أعماق الصحراء إلى حدود نهر النيجر وبحيرة تشاد.
ولم يغير الاستعمار الفرنسي كثيرا من عادات الطوارق وحياتهم الاجتماعية ونمط عيشهم، حيث لم يستطع إخضاعهم لسيطرته الكاملة طوال ستين عاما منذ مطلع القرن العشرين. غير أن ما عجز الاستعمار عن تغييره طوال ستة عقود استطاع عاملان، سياسي وطبيعي، أن يغيراه في اقل من ربع هذه المدة.
فمع قيام الدول المستقلة في المنطقة، وجد الطوارق أنفسهم موزعين بين بلدان متعددة لكل منها نظامها الخاص وحدودها الجغرافية التي تمنع، نظريا على الأقل، اختراقها وتجاوزها إلا بضوابط وشروط سياسية وأمنية، لا اعتبار فيها لعوامل التواصل الإنساني والوحدة الاجتماعية بين أبناء شعب واحد مزقت السياسة أوصاله ولم تكن الجغرافيا أكثر إنصافا أو أحسن حالا بالنسبة إليه.
وفي أوائل السبعينات الماضية جاء العامل الطبيعي المتمثل في الجفاف الذي عم المنطقة ليضع عبئا إضافيا على الطوارق وعلى نسيجهم الاجتماعي وطبيعة حياتهم التي ألفوها طوال قرون وقرون.
وهكذا بدأ الطوارق في مختلف مناطق تواجدهم يبحثون عن مناطق أخرى في محيطهم الجغرافي اقل وطأة وقسوة على ما تبقى من قطعان إبلهم ومواشيهم التي قضى الجفاف على معظمها، وعن وسائل عيش جديدة لم يكن الكثيرون منهم قد اعتادوها من قبل، مما دفعهم نحو المدن والحواضر الأقرب إليهم، وأحيانا إلى اجتياز الحدود بين الدول، والاحتكاك مع المجموعات العرقية الأخرى في دولهم أو في الدول المجاورة لها ومع سلطات هذه الدول أيضا.
وقابلت حكومات الدول المعنية الطوارق المحليين والنازحين بكثير من الخشونة والقمع، مع محدودية إمكانيات هذه الدول لمواجهة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المتفاقمة، واضطر الطوارق في كثير من الحالات إلى حمل السلاح ضد حكومات الدول التي ينتمون إليها، لدفع الظلم والقهر أحيانا ولنيل بعض الحقوق المسلوبة أحيانا أخرى.
صراع متجدد
مثل الاتفاق الذي وقع في شهر يوليو 2006 بين حكومة مالي والثوار الطوارق برعاية جزائرية، بارقة أمل بإنهاء هذا النزاع الممتد بوتائر متصاعدة منذ خروج الاستعمار الفرنسي المباشر من مالي عام 1960، إلا أن الصراع سرعان ما تجدد على الجبهتين المالية والنيجرية،
بسبب عدم احترام الدولتين لتعهداتهما في الاتفاقات الموقعة كما يقول الطوارق، بينما ترد الدولتان على هذه الاتهامات بأن ثوار الطوارق «إرهابيون وقطاع طرق ومهربون تابعون لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي» حسب ادعاءات السلطات المعنية في البلدين.
وقد وجهت مالي «نداء استغاثة» إلى المجتمع الدولي باعتبارها «ضحية تمرد إرهابي»، وجاء التدخل الأميركي استجابة لهذا «النداء» ليصب مزيداً من الزيت على النار المشتعلة، مما اغضب ثوار الطوارق ودفعهم لإطلاق النار على طائرة شحن عسكرية أميركية كانت تقوم بإنزال إمدادات لفرقة من الجيش المالي يحاصرها مسلحون طوارق من جماعة إبراهيم آغ باهانغا في شمال البلاد قرب الحدود الجزائرية.
وتعتبر مجموعة باهانغا حاليا أنشط المجموعات المسلحة من ثوار الطوارق الماليين، وقد هاجمت في العشرين من سبتمبر الماضي بلدة تينزواتن المحاذية للحدود الجزائرية على بعد نحو ألفي كيلومتر شمال العاصمة المالية باماكو.
وتحتجز هذه المجموعة أكثر من أربعين من الجنود النظاميين والمدنيين الماليين منذ أغسطس الماضي قبل أن تفرج عن سبعة منهم بمناسبة شهر رمضان وبعد وساطة قام بها وفد من قيادات ووجهاء الطوارق في مالي، إلا أن جهود الوساطة ما زالت متعثرة ولم تحقق الكثير ويبدو تجاوب الحكومة المالية معها محدودا حتى الآن.
وفي تبريره لهذا التمرد الجديد، يؤكد باهانغا أن حركته، المولودة من رحم الحركة الطوارقية السابقة المعروفة باسم «التحالف الديمقراطي من اجل العدالة